السيد عباس علي الموسوي

309

شرح نهج البلاغة

في المجتمع التي تتزين بالحرير والذهب بل دخلا عليه في ثياب الناس العاديين . . . في ثياب الصوف وبأيديهما العصي - إنها صورة الأنبياء الرساليين الذين يعيشون التواضع والصدق وعندما دخلا عليه وتكلما معه شرطا عليه إن أسلم أن يبقى ملكه ويدوم في عزه ومن هنا لم تأت الأديان للقضاء على الزعماء وأصحاب الوجاهة إذا انضموا إلى قافلة الإيمان وأعلنوا الإسلام . . . ولكن فرعون الذي قال : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ويعيش حالة نفسية مريضة ولا ينظر إلّا إلى الذهب والفضة ومشتقاتهما لم يعجبه هذا الحديث بل أخذ في عملية استهزاء وسخرية وهو يقول لحاشيته ومن يعيش معه ويدور في فلكه ألا تعجبون من موسى وهارون يشرطان لي بقاء ملكي ودوام عزي وهما على ما هما عليه من الفقر والذل فهلّا ألقي عليهما أساورة من ذهب . . . بهذا المنطق المادي كان الجواب . . . وبهذا الأسلوب المزري يقابل الطغاة الدعاة إلى اللّه . إنه لم ينظر إلى دعوة موسى وما وراءها وهل تحمل الصدق والحق . . . لم يتعامل مع الآخرين بمنطق العقلاء وأهل الفكر بل يبادر ألا تعجبون . . . إنه الذهب الذي أعمى بصر فرعون فلا يفكر إلا فيه ويتصور أن ميزان العز والحق هو هذا الصنم المادي من الذهب وفي المقابل احتقر الصوف ومن يلبسه . ( ولو أراد اللّه سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان ومعادن العقيان ومغارس الجنان وأن يحشر معهم طيور السماء ووحوش الأرضين لفعل ولو فعل لسقط البلاء وبطل الجزاء واضمحلت الأنباء ولما وجب للقابلين أجور المبتلين ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين ولا لزمت الأسماء معانيها . . . ولكن اللّه سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم ، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى ) هذا رد من الإمام على فرعون ومن يتبنى رأيه ويقول بمقالته يعلل فيه بعث الرسل في حالتهم الشعبية من الفقر والمسكنة والفاقة دون الغنى والزهو والعلو يقول : لو أن اللّه أراد لأنبيائه عندما بعثهم أن يعطيهم كل خيرات الدنيا فيفتح لهم خزائن الذهب ومعادنه الجيدة وكل بساتين الدنيا ويسخّر معهم طيور السماء ووحوش الأرض تأتمر بأمرهم وتلتزم قولهم لو أراد ذلك وهي ممكنة وهو قادر عليها لفعل ذلك ولكن ذلك يؤدي إلى أمور لا تصح ولا يمكن القبول بها وهي : 1 - إنه لو أعطاهم كل ذلك لسقط البلاء ، أي لسقط امتحان المستكبرين بالمستضعفين وسقط امتحان المستضعفين وامتحانهم في صبرهم وجهادهم لأنهم لو أعطوا هذه الأشياء لتبعهم الناس لها رغبة فيها أو رهبة منها ولم يعد ثمة من امتحان .